« 2007-04 | Page d'accueil | 2007-06 »

26.05.2007

وحش الفلاة

 

 

وحش الفلاة

 

 

وقفت سعاد أمام مرآة قريبة من الباب توضب نفسها للخروج إلى نهار عمل جديد. عشرون ميلا تفصلها عن مقره تقطعها أربعا كل يوم بين حقول منها المزروع المسقي، ومنها المنتظر ماء السماء، قد ملأته أكياس البلاستيك السوداء كحشائش تتكاثر من تلقاء نفسها، بماء و بغير ماء، أعيى الفلاحين اجتثاثها كل حين، فهي هناك متناثرة على أميال التراب الأحمر. تلك المسافة كانت تتداول قطعها مع زميلة لها، يوما على متن سيارتها هي ويوما بسيارة هذه، اقتصادا وإيناسا على الطريق:

- "ما عرفتش واش هاذيك وحش الفلا وصلت ولا مازال؟"

خاطبت سعاد زوجها ضاحكة، كان ما يزال يتم الإفطار الذي قامت عنه مسرعة ترجئ متعة إتمامه إلى مكتبها حيث قهوة لذيذة ورقاق. لكنها لم تفتأ أن احتبست الضحكة في فمها، كأنما استعاذت في ذات نفسها من شر ما تفوهت به في حق زميلتها ورفيقة الطريق. ولقد كان لتلك الكلمات ما يسندها في طبع وخلق تلك المرأة، إذ كانت من النوع الذي ربما يعشق نفسه بربا، وتكون أعشق لها حين تسنح لها غضبة على شخص ما في وضع أدنى؛ كانت ربما تعد نفسها ليس شيئا بل أشياء في هذا الكون، ولا تتساهل في أدنى خطأ يبدر من أي كان في حقها، وزاد حدته كونها مسئولة كبيرة في إدارة كبيرة ومهيبة كانت سعاد حديثة عهد بالالتحاق بها كمسئولة هي كذلك لا تقل أهمية ولا قدرا عنها؛. ومن النوع الذي إن قيل له على سبيل المدح الذي يدور على ألسنة المتملقين:" قلبك منزوع منه الرحمة..." تفرح به، كأنما وقع قائلها على أجمل وأحسن أوصافها وأحبها إليها أن تعرف به؛ ثم إنها ثرثارة جدا، ولولا أن الأصم لابد حتما وأن يكون أبكم، لقيل إنها صماء تتكلم، لأنها إن بدأت الحديث لم تَلْوِ على شيء، تتكلم وتتكلم، ولا تسمع لمحدثها، ولئن اتفق أن أصغت له لكان ذلك فقط استسلاما لإلحاح منه أو تأدبا عابرا لشخصه وليس لكلامه، يكتشفه عندما يجدها من جديد تتم كلامها من حيث توقفت كأنه لم يتحدث، كأنما كان يحرك شفتيه حقيقة أمام  صماء. ثم في غمار ذلك كله ولجته كان هناك شيء، سر ما، يجعلها لها قبولا رغم ذلك.

أتمت سعاد توضيب نفسها وحملت محفظتها وهبطت السلالم لكي تلتحق بالمكان الذي اعتادت أن تنتظر فيه زميلتها كلما كانت النوبة على سيارتها. لم تجدها وهي التي كانت مستعجلة ظنا أنها قد أبطأت، فوقفت تنتظر هناك على جانب الطريق. جمع من الناس هناك ينتظرون، معظمهم نساء. الصباح بارد وبقايا الليل لم تنمح مطلقا عن تلك الصبيحة الشتوية القارصة رغم جفاف الموسم بل بسببه. وقفت سعاد تتخيل وجهة كل من الواقفين والواقفات حسب هيئته وهندامه. هذا ينتظر حافلة إدارة ما وتلك تنتظر شاحنة معمل طحالب البحر أو معمل نسيج، وجمع العمال من بعيد ينتظر شاحنة يقف رجل على حافة مؤخرتها، في مشهد معروف متكرر، ويتحلقون متضامين حوله مزدحمين كأنما صاروا حاجاتهم تنصت إلى حاجة مشغله في ذلك النهار من اليد العاملة الناصبة؛  والكل هناك دون استثناء ينبعث من فمه بخار التنفس، قاسما مشتركا بشريا وحيدا...

بعد برهة توقفت، بإزاء الواقفين، شاحنة ضخمة عليها بأحرف لاتينية ضخمة اسم الشركة المالكة.  خرج السائق الذي كانت البداوة ظاهرة على قسمات وجهه وتتفجر من حركاته، ودون أن يوقف المحرك وقف يتجادل مع أحدهم جاء يركض إليه من بعيد، تاركا الشاحنة تنفث دخانها في وجوه الواقفين هناك. ولأن النهار كان في أوائله ولم يتلوث بعد بأدخنة السائرين على الطرق والشوارع، ولقرب مصدره من وجوه الواقفين فإن دخان الشاحنة كان يزكم الأنوف ويؤذي الناس ، وهم الذين كانت أجهزة تنفسهم حديثة عهد بإفاقة وبحاجة لهواء تلك الصبيحة. سعاد التي بدل أن تغير مكانها كما فعل معظم من يقف هناك تفاديا لأي مكدر اقتربت من السائق وقالت له بتلقائيتها التي يراها الناس جرأة:" السلام عليكم، هل يمكنك سيدي أن توقف محرك الشاحنة وتجنبنا هذا الدخان حتى تعزم على الانطلاق..." التفت السائق ببطء شديد لمن تحدثه، ونظر إليها نظرة كأنما لغير العاقل، وحينما رآها بهندام نقي يوحي أنها موظفة نظر إليها نظرة شوساء، وأجابها:

- وسيـــري تــْ....

وتلفظ بأقذع الكلام، فطارت الكلمات وحطت في آذان الحاضرين. التفتت سعاد، في حركة لا إرادية، كأنما تستبق الكلام البذيء أن يبلغ مسامع المنتظرين فوجدت الوجوه، منها من قد أشاح عن وجهها المحمر خجلا تجنيبا لها مزيد حرج واحمرار، ومنهم من مكث يحملق، لكن لا أحد أبدى استنكارا رغم أن الكل كان لينتفع لو أسكت المحرك. في صمت، تراجعت سعاد إلى مكانها، ومضى السائق في كلامه مع الرجل الذي أتاه يركض، عابثا بفاتورة برتقالية ناوله إياها ذاك الرجل، طورا يجهر بصوته، كأنما الحجة له، وطورا يهمس كأن الحجة عليه. بعد قليل صعد الشاحنة ومضى بعد أن زاد ضغطا على دواسة الوقود فازداد الجو اختناقا.

حضرت زميلة سعاد بسيارتها فأركبتها ومضتا إلى العمل. أتمت سعاد صمتها في السيارة؛ بداية لم تستغربه منها زميلتها، ظنا منها أنه زهد طبيعي في الكلام ينتاب كل حديث عهد بالاستيقاظ، كأنما ليرتب أفكار اليقظة التي بعثرتها خيالات النوم وأضغاثه؛ لكنها حينما انتصف الطريق أضناها صمت سعاد، وأيقنت أن شيئا ما هناك.

- ما بك؟ سألتها.

فكان السؤال بداية الحكاية...

غضبت المرأة وولولت، كأن ما حدث لسعاد حدث لها هي، وفورا سألت عن الشاحنة أين توجهت كأنما تريد أن تقص أثرها و تنتقم من السائق بأي وجه، لا تبالي إن استحال ذلك أو تعذر، فأمثال هذه المواقف هوايتها وتكون أهوى لو تمكنت من الفاعل، فلا عفو إذن عند المقدرة، بلِ القصاصَ، القصاصَ، وأقساه وأنكأه. أسرعت القيادة علها تجد الشاحنة في الطريق نظرا لأن وجهة المدينة الصناعية واحدة هي تلك التي تسيران عليها، وحظوظ لقائه كبيرة ولو فقط لرشقه بكلمة أو النظر إليه نظرة ازدراء. وكانت عند كل شاحنة تتجاوزها تسأل سعاد إن كانت هي أم لا. بعد دقائق من السير السريع بدت الشاحنة أخيرا، فزادت الزميلة سرعة على سرعة، حتى وازتها ثم انفتلت أمامها وخففت السير مضطرة سائق الشاحنة أن يبطئ هو كذلك، ومضت على رسلها؛ ثم التفتت سعاد تنظر إليه، كان يبدو وراء زجاج القمرة وهو يتلفظ بكلام يبدو أنه من أقذع الكلام لأن الطريق غاصة ولم يكن يستطيع أن يتجاوز. ناشدت سعاد زميلتها أن تزيد السرعة وتمضي لحالها لأن أمثال هؤلاء لا يضاهون على الطريق، فهي حرفتهم وخبزهم اليومي ويعلمون من حيلها ما لا يخطر على  الهواة من السائقين، لكن الأخرى أصرت على الإبطاء، علها تشفي بعض غيظها من سائق من رعاع القوم تجرأ على أن يسب مسؤولة كبيرة في إدارة مرفق كبير من مرافق الدولة.

عند مفترق طرق استدارت الشاحنة عن اليمين، وصاحبها يسب ويزبد ويلوح  من بعيد بقبضته في حركة نابية ماجنة.

ضحكتا وأحست سعاد بشيء من السرور لأن صديقتها غاظت السائق الجلف ونالت لها من أعصابه بعض الشيء، لكنها لم تنل منه بعدُ كما تشاء، لأن الإهانة أمام الملأ لم تنمح ولا تنمحي.

في مكتبها أعادت سعاد شريط ما جرى، وأول ما بدأت به يومها حين وصفت زميلتها "بوحش الفلاة" وهي التي قد أبلت بلاء حسنا وواست وتعاطفت معها، حيث أثبتت لها أن الحياة كما هي، هنا والآن، لا بد وأن يكون من مكوناتها مثل هذا الطبع، فهو يشفي الغليل أحيانا وتغدو معه المواقف البئيسة مضحكة لا تدع ضحيتها سالبة تتخبط في مرارتها. ليس دائما تجدي الطيبة... ثم انهمكت في عملها فلم تنتبه إلا وزميلتها تنقر زجاج مكتبها تنبئها بالمغادرة، ما أسرع ما دقت الثانية عشرة اليوم.

لم يكن حديث العودة إلا عن بعض الأخبار المتعلقة بترقيات وتعيينات جديدة هنا وهناك مما لا يرضي من تبلغه دائما، إما لأنها أتت في غير وقتها، سابقة لأوانها أو متأخرة جدا، وإما لأن من تم تغييره أو إقالته كان قد بدأ مسلسل إصلاحات فأتت هذه التغييرات لتكسر مسارا إيجابيا قد بدأه، أولأنه فقط ممن يقال عنه:" الله يعمرها دار"...الخلاصة أن كل تغيير حل فهو في غير وقته ولا محله...

ثم كأن الزمن يطوى وجدت سعاد نفسها على متن سيارة زميلتها قاصدة عملها على الساعة الثانية، والحقول تجري عن اليمين والشمال في سباق مع العين التي تجدد كل حين نقطة ارتكازها ثم سرعان ما  تخلفها سرعة السيارة ثم تجدد العين مرتكزها على نقطة أخرى في الأفق. أمالت شيئا ما كرسي السيارة وأغمضت عينيها وغفت لتفيق مرتعشة كأن السائق الجلف قد سبها للتو. أقامت الكرسي وأتمت الطريق تنظر هنا وهناك. وصلت السيارة، انفتحت البوابة، ظهر مسؤول أمن دخول وخروج الشاحنات والسيارات، فحيى المرأتين تحية ملؤها الاحترام لمقامهما في المؤسسة، فإذا بسعاد تلتفت لتجد سائق الصباح على متن شاحنته يدخل من البوابة خلفهما، ولما سقطت عيناه عليها إذ أنها لم تتمالك نفسها أن مكثت تحدق فيه بين اندهاش وغضب وإحساس بمرارة الإهانة الصباحية، أدار شاحنته بسرعة وأوغل داخل المؤسسة قاصدا المركب الصناعي التابع لها. لم تشعر سعاد أن قالت لزميلتها المشغولة بإيقاف سيارتها استعدادا لمغادرتها:

- ها هو، ها هو...

- من؟

- السائق المعلوم...

انتفضت زميلتها انتفاضة الأسدِ الحَرِب ونزلت تبحث عن جهة إيماءة سعاد حيث السائق اللعين المسكين الذي دخل العرين. وبمجرد ما تعرفت الشاحنة التي بدا من الغبار الذي أثارته خلفها وحولها أن صاحبها زاد سرعته ليس يريد وصولا بل يريد فرارا...فرارا من شيء ما لم يكن إلا فعلته، أومأت الزميلة لمسؤول أمن الدخول والخروج أن يوقف الشاحنة فكان أن هب الرجل إلى قـُمْرته المحاذية للبوابة وتحدث عبر الهاتف دقيقة، ثم خرج فإذا بالشاحنة تبدو عائدة أدراجها من بعيد ولكن ببطء بطيء هذه المرة. لم تمهل الزميلة الرجل حتى يسأل بل بادرته تحكي له تفاصيل ما جرى وتطالب وتتوعد بعقوبة قاسية تحيق بالسائق إن كان تابعا للمؤسسة، وإن لم يكن تابعا لها أن يرسل إشعارا لمؤسسته، بما جرى تمهيدا ربما لوقف خدمته على هذا المحور أو ما شابه، مما سيؤثر حتما على صورته في مؤسسته بل وربما يفضي لفصله لأنه قد آذى زبونا وما أدراك أي زبون لشركته.

- سنرى، سنرى... أجاب المسؤول بحزم شديد.

توقفت الشاحنة. نزل السائق على وجل كبير. ماذا يجول في خاطره في تلك اللحظة؟ ماذا يقول في نفسه: "هلكت..." بماذا يلومها ويقرعها؟ هل يستطيع أن يُرجع الصباح كي يسكت شاحنته ويسجن لسانه سَجْنا ويجنب نفسه ظلم نفسه؟ هيهات...

مكثت تتأمله سعاد يتقدم بخطى بطيئة كالمريض، كل حركاته صارت بطيئة، اندثر الجفاء اندثارا غريبا، أين أوى الجلف داخله؟ أين ذهبت البداوة، أين انزوت، في أي زاوية من زوايا نفسه أرزت كما تأرز الحية الضخمة في جحرها؟ كيف طفا كل هذا الأدب والاحترام على صفحة نفسه، تلك البداوة ليست القالب الوحيد الذي صيغت فيه نفسه إذن لبدت حيثما كان، بل لطبعه قوالب يذوب فيها حسب هواه أو كفة القوة حيثما رجحت. لولا كف نزقَ نفسه للحظة، فلم يكن ليضيره ذلك، بل لَجنبه هذه المسكنة، لو نحاه لحظة ليجيب سعاد باللياقة التي يتطلبها الحديث إلى امرأة، قبل أن تكون شخصا مهما إهانُته تتهدد مصدر رزقه الآن....أم الأمر لا يمُت للأدب بصلة فقط هو الخوف، الخوف الذي سرعان ما أخصى فحولته الكاذبة التي مارسها في الصباح فانزاحت عنه الآن وتركته عاريا في ثيابه...الخوف أشد قوالب طبعه حرارة وصلابة...

تقدم إليه مسؤول الأمن فحدثه وهو يلقي نظرة من حين لآخر إلى السيدتين الواقفتين، والسائق الجلف فيما مضى والمؤدب الآن يتكلم وقد ألقى السَّلَم ولاحت عليه علامات الإذعان . 

- ما الذي تنوين فعله سيدة سعاد؟

خاطبها المسؤول حين واقفهما ثانية. لم تتركها زميلتها تتحدث، بل استأثرت بالكلام بطريقة كانت تبدو متوترة توتر العازم المستعجل كي يرى النقمة حاقت بخصمه، مما زاد السائق جزعا. كانت سعاد ترقبه من بعيد، وفي شرود فلسفي أنساها نقمتها عليه، كانت تبحث عن وجه الشبه بينه وبين الوحش الذي نهرها في الصباح.

لما طال عليه حديث الثلاثة كأنهم في مداولات محكمة يناقشون مصيره، والمدعي العام هو تلك الزميلة التى أبدت فعلا عن وحش الفلاة حين تقبضه بفريسته التي تكون عادة وحشا على من دونها، فليس بينه وبينها من لغة إلا الناب والمخلب... كانت سعاد تهمس للمسؤول أنها لا تريد إلا اعتذارا فحسب، ولكن زميلتها أصرت على أن يلقن السائق درسا قاسيا كي لا يعود لمثل تصرفه، فلم تشعر أن اقترب منهم السائق. كان آخر أسمال مقاومته قد سقط فتقدم إليهم دون أن يناديه أحد و كاد يجثو على ركبيته قرب ساق سعاد اليمنى محاولا أن يتناول يديها ليقبلهما وأخذ يردد بصوت متهدج:

- رزق الوليدات "مَدَامْ"...رزق الوليدات "مَدَامْ"...رزق الوليدات "مَدامْ"...