04.04.2012
نعي كاذب - أقصوصة

إلى زوجتي التي رزئت أبويها تباعا وبقيت يتيمة الأربعين في كنفي
نَعْيٌ كاذب
لم تلبث أن عادت أدراجها. كانتا قدماها تخادعان درجات السلم كيلا تصدرا أدنى حِس. حتى حفيف ثوبها اجتهدت كي تكتمه حين لملمت كل أطرافه إلى جسدها خشية أن توقظه. هكذا كان دأبها ليلتها وطول الصبيحة.
دنت من الباب الذي لم توصِدْه كي تنظر إليه دون أن توقظه. بَسَّمَتْ إحدى الدفتين ببالغ الحذر وأطلت. لم تئط مفاصل الباب العتيق؛ صارت تشحمها منذ أن أضحت حجرته في الطابق العلوي غرفة عناية مركزة. غطيطه الهادئ المسترسل ما زال ينمو لأذنيها كما تركته. الحمد لله. أطل الدمع ومكث يتردد بين جفونها دون أن ترسله. مسكين. لم ينم ليلته تلك كلها. ولا هي... أقامت الدنيا ولم تقعدها لأجله كي ينام النومة التي تريحُه علـَّهَا تطمْئِنها. أصاخت سمعها من جديد. كأن الغطيط توقف. فتحت الدفة كلها ودلفت إلى الغرفة. حدقت في مستوى صدره في شك مريب. ما زال صدره يعلو وينزل. تنهدت وأخذت تتنفس بتنفسه وتتمتم بعض الكلمات.
كانت ليلة الأمس ليلاء، استقدمت فيها الطبيب من جوف الأرض كي يسعف أباها الوحيد. ليست بديهية كونُه أباها الوحيد الفريد الذي تملك. زاده فرادة أن أمها قد فارقت الدنيا منذ مدة يسيرة. وبقدر الحزن على فراقها بقدر ما كان يصير فؤادها فارغا ولو لنزلة برد بسيطة تلم بأبيها... الوحيد. الشيخ لا يطيل المكث بعد موت العجوز. هكذا يقال، وهي صارت تمقت من يردد ذلك. أبوها الوحيد. مسكين. حين تفكر في موته تناجيه بظهر الغيب "با حنيني" وتعانق نفسها حين تخشى أو تتحرج أن تثقل عليه بالعناق. كان يستحق أن تحبه كما تفعل. كان أبا. ليس والدا فحسب...
عليها أن تعود إلى المطبخ، لقد نَمَتْ إلى شمها رائحة نضج مفرط.
لم تستدر بل تراجعت الهوينى وهي تنظر إليه حتى بلغت دفة الغرفة، خرجت وأغلقتها دون إحكام كما أتتها منذ قليل. استدارت. توقفت قليلا مسندة راحتيها إلى الدرابزين المطل على فناء دار مراكشية عتيقة. فتحة كبيرة إلى السماء وفناء شاسع كبير تزيده في رحابته عيون الصبا وسيقانه الراكضة في الأرجاء، طولا وعرضا، تحتا وفوقا. استحضرت خروج ودخول أبيها الوحيد. الحاج الكْبِيرْ. كان يحب من كل شيء ما كبر حجمه من أجل فرحة عارمة تمنحها له فقط فرحة بناته. يدخل البيت ليلا يحمل قفة كبيرة مثقلة. تسحبها الحاجة إلى المطبخ كي توضبها وتودع الثلاجة ما عليه أن يودع. لكنه يناديها حيث هي ويسأل عن بناته. يعلم أنهن نوائم ولكن من سؤاله الذي يعلم جوابه تعلم الحاجة أن الليلة هي ليلة شواء. ولكنها ستحاول أن تقاوم. سدى. تعلم ذلك منه.
يأخذ دفا ويملأ البيت بإيقاع عبيدات الرمى. يطوف على النوائم حجرة حجرة. قوموا لتأكلوا الشواء. تنتفض الحاجة. دعك من ذاك الهراء. يصبح ويفتح. غدا أصنع لكم بولفاف لم تذوقوا مثله من قبل. كلا. من يضمن لي أن أصبح في خبر كان وأموت بغصتي أن لم آكله وسط بناتي. هيا يا امرأة أوقدي التنور...
دون وعي تصلبت أناملها حول الدرابزين. مسحت الفناء بنظرات خلف شاشة من دمع عنيد. في زاوية منه كن يتحلقن حوله وقد أعْتَدَ لهن متكئا وآتى كل واحدة منهن سُفـُّودًا فيه مكعبات كبد وطحال وشحم ذائب لذيذ وخبزًا وكوبَ شاي، وعزم عليهن أن يأكلن ويستزدن ما دام في الصحفة شيء. وحتى إن نفدت ولمس منهن نهمةً أمر الحاجة في صيغة طلب تعرفها كي تأتي بما ادخرته من لحم ليوم غد. يشويها شرائح أو مكعبات صغيرة.
كم تصرم من الزمان منذئذ؟ كأنه يوم أو بعض يوم...
علت رائحة الحريق. نزعت نعلها كيلا يحبط ضجيج ذهابها مسرعة كل حيطة مجيئها. نزلت السلم جريا لعلها تدرك ما تبقى من طعام لم تأكله القدر الساخنة.
حين بلغت منتصف السلم انفتح باب الدار أسفله ودخلت ليلى قادمة لتوها من المدرسة. تسمرت مكانها ترقب أمها راكضة حافية القدمين. حاولت أن تمسك بتلابيبها مرددة: هل جرى لجدي شيء؟ هل جرى لجدي شيء؟ كان قد شحب لونها هي الأخرى. لكن أمها لم تلتفت إليها ومضت مسرعة.
صعدت ليلى السلم ركضا بعد أن رمت بحقيبة المدرسة في أول درجة كي لا تنوء بها. استعانت بالدرابزين كي تسعف بيديها رجليها في حمل نفسها عبر الدرجات. هدوء في الأعلى. انهمرت دموعها. لقد مات جدي. من يداعبها منذ الآن؟ من يأخذ يدها الصغيرة أو تأخذ بيده ليمضيا في رحلة طويلة على الأقدام حاكيا لها ومشخصا أبطال خرافاته، غير عابئ بالمارة ؟
فتحت الباب وركضت إلى المدثر هناك؛ لعله ما زال في رواق الموت ولم يخرج منه للعالم الآخر؛ لعلها توقظه... لكن الحي الذي ما زال يرزق كان قد أحس مسبقا بالركض وأزاح طرف دثاره. وجدته ينظر إليها ويبتسم قبل أن تدخل الغرفة. حينها علا صوت أمها من أسفل يلومها أن أحدثت كل هذا الضجيج. لكن ليلى كانت قد استلقت عند قدمه تضحك وتضحك كأنه لتوه قد حكى لها عن أحد مقالب "حديدان" أحسن مما حكاه التلفاز تكرارا ...
ناداها بصوت خافت :
- أجي ألكْبْدَة لْمْعَاوْدَة... هِيَ دْرْتِ شِي فعلة...
لو لم يكن أحسن حالا من البارحة لم يكن ليداعبها بعبارة "الكبدة المعاودة" التي لم يعد يرددها إلا إن كان منشرح الصدر. من يوم لآخر. فقد سبقته سعة الصدر إلى الآخرة ولم يتبق إلا نزر يسير من صبر جميل يقتات عليه منذ أن أحنى ظهره يوما في السوق كي ينتعل حذائه، فخر على وجهه مغشيا عليه ثم أفاق في المشفى مشلولا إلى يومه ذاك.
انحازت إليه وانبرت تقبله على جبهة باردة وعلى ذقن وخز شفتيها الصغيرتين وخزا لطيفا. ستقول لأمها أن تحلق ذقنه كي يبقى ناعما كما عهدته. كادت تقول له أنها ظنته مات وقضى حين رأت أمها راكضة إلى الأسفل كأنها ثكلى هامت على وجها...لولا أنه قال لها:
- "جِيبِي لِيَ التيمُومَة عَافَى بْنْتِي... بغيت نصلي..."
قامت وقد أسعفت خفة الفرحة ببَعْثه خفةََ جسدها الطفولي تبحث عن صعيده الطيب. لم تجد له أثرا في كل زوايا الغرفة. نادت أمها بصوت عال. كانت في المطبخ تهيئ الطبعة الثانية من نفس الطعام الذي احترق جُلـُّه، كعادتها منذ أن صار طريح الفراش وصارت ممرضة له...
- مامااااااا.... تَيْمُومْةْ جْدِّي ي ي ي ي
طارت الكلمة إلى الطابق الأسفل وقد أدغم صدى الفِنَاء حروفـَها بعضها في بعض. وعلا النعي في الدار حتى استقر في أذن أمها " مَامَااااا تَيْمُووتْ جْدِّي..."
ضربت على فخذيها وذهلت عما في يدها وانطلقت غير مصدقة أن يكون قد مات أبوها الوحيد دون أن تتنبه لإشارات ذلك عند آخر إطلالة عليه. لم يكن ترددها عبثا طيلة تلك الصبيحة إذن. لكن الموت باغته هو وخالسها هي. هل رحمة بها كيلا ترى نزعه الأخير؟ وقع ما كانت تحاذر. ركضت إلى السلم وهي تحاول أن تتصور كيف ستجده. هذه ليست نومة يمكن أن تتصورها قياسا على نومه من قبل. إنه الموت. بل هي الموتة. ترى كيف سيكون منظره؟ إنها لم تره يموت من قبل...فلكل موتته الوحيدة التي كتبت عليه...
عاد صوت ابنتها من جديد:
"تيمووووووت جدي..."
ليت أخواتها كن حاضرات. ليت لم تتوزعهن ديار الغربة وراء البحار. ليت زوجها كان حاضرا. ليتهم كانوا هنا الآن كي يقتسموا معها هول المشهد بدل أن يتفرد بها الهول وحدها ومن جديد كما تفرد بها حين وفاة أمها منذ سنتين. هي التي رفضت كل الخاطبين المقيمين في المهجر كي لا تفارق الشيخ والعجوز أبدا...
نفدت درجات السلم وهي لا تعلم أنها صعدتها بقدمين حافيتين. من جديد. كانت ليلى تقف متكئة على الدرابزين حيث وقفت أمها تتذكر الصبا قبل قليل حين انبعثت هذه من السلم راكضة. ذعرت ليلى من جديد. ماذا دهى أمها؟ هل أصيبت بنوبة ركض هستيرية. مرت إزاءها ودخلت الغرفة في غير زمن. حينما سقطت عيناها عليه وقد جاهد كي يستدير على ظهره ظنت الأمر مقلبا بين الجد وحفيدته وأخفت مزيج فرحتها وانهيارها. حتى إذا وقع نظره عليها ردد لها نفس الطلب الذي قال لحفيدته:
- ديك التيمومة عافى بنتي...
كان يناديها من مكان بعيد. في ذهول عن نفسها تقدمت نحوه. كانت ابنتها قد تسمرت خلفها تنظر ما تؤول إليه هستيريا الركض تلك. حينها انحنت على الحاج لكبير وسمعت في رأسها قلبا ما زال يركض ويركض. سلكت يدا مرتعشة تحت وسادتيه وأخرجت حجرا من أحجار نهر وريكة المسطحة الناعمة وناولتها إياه. ثم انهارت عند قدميه في نفس مكان ابنتها ومكثت تضحك، تضحك كعجوز عقيم بشروها بغلام عليم...
ولكي لا تنبئ أباها أنها ظنته ميتا كما ظنت ابنتها من قبل قالت له:
- هل تذكر يا أبي...
لم يجبها واستمرت في الكلام:
- هل تذكر قصة ذلك الحجر؟
يومئذ كان قد أخذ الأسرة إلى نزهة في نهر وريكة. في موضع من النهر أحنى ظهره نفس انحناءته حين سقط مغشيا عليه. لكن انحناءته على ماء النهر الجاري لم تكن قاتلة. تناول ذلك الحجر الناعم من تحت الماء وقال لهم في إحدى نوبات الحكمة التي قلما يتكلم بها بل يعيشها دون تكلف. إن أحدنا يبدأ في هذه الحياة كحجر خشن صلد يجرفه السيل من الجبل، ويمكث يسحبه ويقلبه ويدحرجه حتى أسفل النهر فإذا به قد صار حجرا أملس ناعما يمتع العين تحت تموج الماء وانعكاس الشمس يبدي ما كانت تخفيه التعرجات والنتوءات من بلور مصقول. كذلك الإنسان يسلك به نهر الحياة حتى يبلغ مقامه...
- هل تذكر؟
لم يجبها. استمر في صمته وكانت ركبته المنتصبة من تحت دثاره تحجب وجهه عنها. انتابها خوف جديد. الخوف لا يأتي وحده. بل يأتي سلسلة أخواف... انتصبت على ركبتيها ودنت منه. أطلت عليه. كان يحرك شفتيه. أهو في صلاة؟ أهو في تشهدها الأخير؟ أهو في تشهده الأخير... لا تدري. ستمكث إزاءه مهما انتشرت في البيت رائحة الطعام النضيج...
رضا
13:45 Publié dans Nouvelles | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note
07.12.2011
السي - بلاش - كاريكاتير
السي-بلاش
عندما فتِحَتْ علبة "الوجود الجديد الصارخ من بعيد" السحرية في أواخر شهر تشرين الثاني بعد انتظار طويل، قفز منها بهلوانان. على صدر أحدهما كان مكتوبا "السيد بْلاجْ " أو إن شئت قرأتها مختصرة كما في دارجتنا "سِي-بْلاجْ"(1)، وعلى صدر الثاني كان مكتوبا "السيد بلاش" لنقل قياسا على الأول "السِّي-بْلاش".
كان "السي-بلاج" يحمل على ظهره كيسا كبيرا تبين فيما بعد أنه مَلِيء عن آخره بالهدايا والعطايا والمِنَن والمكرُمات والمنح والهبات. كان السي-بلاج يشبه كثيرا بابا نويل إلا أنه كان ذا لون برتقالي. بينما كان السي-بلاش فارغ الوفاض، لا يحمل شيئا لأحد وكان يشبه جيل-دو-غي ذي اللحية الزرقاء...
حول السي-بلاج تجمع الأطفال-الراشدون، ينتظرون ماذا سيفعل... لكنه كان بهلوانا ماكرا رغم ذلك، فقد تماطل عليهم حتى كادوا ييأسوا وينصرفوا. وبعد طول انتظار بدَا كَجَسِّ نبض لمدى إصرارهم فتح السي-بلاج كيسه الكبير وبدأ ينادي على الأطفال-الراشدين بأسمائهم.
- فلان بن فلان
– حاضر
- هاك أو دير بالك
-فلان بن فلان
- حاضر
– هاك أو حضي راسك
....
مع تكرار النداء بشكل آلي، تبين أن هناك لائحة مُنتقاة ومُعَدَّة سلفا يحفظها السي-بلاج عن ظهر قلب. وكانت اللائحة تَهُم فقط وحَصْرًا أولئك الأطفال-الراشدين غير المُضربين عن لعب الضحى وما بعد الزوال. وعليهِمْ حصرا كان يُوَزع المنح والمكرمات حتى أفرغ الكيس عن آخره.
من حين لآخر كان أحد الأطفال-الراشدين الآخرين، يعني الأطفال-الراشدين المضربين عن لعب الضحى وما بعد الزوال يتقدم وقد نفد صبره ويسأل عن منحته، فيصده السي-بلاج عن الكيس الكبير وينهره بقسوة ويقول له " اذهب عند جاري السي-بلاش فإن عنده بغيتك" فما يكون من الطفل-الراشد المضرب عن لعب الضحى وما بعد الزوال إلا أن يقصد السي-بلاش... الأمكر. لكن هذا الأخير كان كلما اقترب منه أحد الأطفال الراشدين المضربين عن لعب الضحى وما بعد الزوال سأله بلطف كلطف حشور مع دعبل:
- من أرسلك يا صغيري؟
فيجيبه المسكين:
- " السي-بلاج"
فيقول له:
- ولماذا يا كبيري ؟
- لأن عندك بغيتنا...كما قال لي...
حينها يخرج السي-بلاش لسانه الطوبل كلسان حرباء ويمده مدا طويلا وينفخ في شفتيه حتى يسمع له صوت كصوت الضِّرَاطْ ويقول للمسكين:
- ها هي بغيتك فارحل من هنا... ولا تعد أبدا إلى الإضراب عن لعب الضحى وما بعد الزوال...
أحس الأطفال الراشدون المضربون عن لعب الضحى وما بعد الزوال أنهم قد نالوا جزاءهم بدم بارد. ذلك أن مُوَضِّبَ العلبة السحرية كان قد قال لهم:" الانتقام وجبة لا تؤكل إلا باردة"
ولكن الأطفال الراشدين المضربين عن لعب الضحى وما بعد الزوال لم يقفوا مكتوفي الأيدي. بل فكروا في أن يَتَحَدَّوْا مُوَضِّب علبة "الوجود الجديد الصارخ من بعيد" السحرية بطريقة ذكية لا يشعر بها. فاجتمعوا وفكروا في أن يصنعوا آلة للزمن ويعودوا بها إلى أيام ما قبل الإضراب عن لعب الضحى وما بعد الزوال ثم يعيدوا عقارب الساعة ويمتنعوا عن الإضراب وحين يحين أوان السي-بلاج ينالوا العطايا والمنح والمكرمات والهبات من صاحب الكيس الكبير... ذهب أحد الأطفال الراشدين المضربين عن لعب الضحى وما بعد الزوال إلى خزانته وأخرج قصة "آلة الزمن" التي كان قد احتفظ يها لعلها تنفعه يوما ما. وها " قدْ "... آن الأوان...
كم أكره حرف قدْ...
صنعوا الآلة كما وُصِفَ وكانت آلة كبيرة ذات كراسي تتسع لهم فقد كان عددهم بالآلاف. ثم ركبوها وشغلوا محرك الزمن فإذا بغلاف كهرومغناطسي ذي لون بنفسجي كبير كالشرنقة يغلفهم. انطلق السفر الزمني وكان الربان قد برمج الآلة كي تحط بهم في أيام ما قبل الإضراب عن لعب الضحى وما بعد الزوال لكي يتداركوا ما فاتهم من الهدايا والعطايا والمنن والمنح والهبات والمكرمات... لكن السفر طال بهم حتى إذا ما توقفت الآلة وجدوا أنفسهم في مغارة. كانوا عراة إلا من جلود الوحوش وكانت في أيديهم عِصِيٌّ وهِراوات وكادوا يقتتلون فيما بينهم بسبب الزحام المفاجئ وقلة العقل لأنهم كانوا قد عادوا إلى ما قبل حقبة الهومو-سابيينس (2) ولم يبق من هومو-سابيانس بينهم إلا الربان الذي اختاروه. لحسن الحظ. فلما أحس هذا الأخير بالخطر، تدارك الأمر وشغَّلَ آلة الزمن من جديد لعله يتقدم بقومه في الزمان...
بعد مدة غير يسيرة توقفت الآلة. وجد الأطفال الراشدون المضربون عن لعب الضحى وما بعد الزوال أنفسهم أمام أسوار مدينة شالة أيام حكم نيرون. تقدم أحدهم من الكلادياطور(3) الروماني الذي كان يحرس البوابة وسأله بالدارجة عن الجد الأعلى "للسي-بلاش" لعله يجده ويطلب منه أن يترك لحفيده وصية كي يعامل الأطفال-الراشدين بلطف ولا يحرمهم. لكن الكلادياطور لم يفهم لغته وكاد يهاجمهم وأخذ يصرخ وينادي في عالمه القديم لعل مددا من الجنود يأتي كي يطوقوهم من كل مكان. كان يظنهم جواسيس لهانيبعل... لولا أن الهومو-سابيينس الوحيد شغل الآلة من جديد قبل فوات الأوان فانطلقت بهم في الزمان، بعيدا عن الرومان...
مكثت الآلة تشتغل وتدور دواليبها حتى توقفت وانزاحت الشرنقة الكهرومغناطيسية من جديد فوجدوا أنفسهم أمام شالة لكن العهد الروماني كان قد ولىَّ وكانت شالة قد صارت حصنا يتجمع فيه المرابطون لقتال قبائل برغواطة... سأل أحد الأطفال الراشدين أحد الحراس المرابطين الملثمين، لكن هذا الأخير لم يفهم لغته وظن من في آلة الزمن كتيبة برغواطية فاستغاث وأخذ يصرخ هو كذلك وينادي من عالمه القديم على أصحابه من الملثمين كي يصدوا الهجوم، فقد ظنهم برغواطيين أتوا متنكرين في ثياب غريبة وعلى متن دابة عجيبة...
لولا أن الهومو-سابيينس الوحيد شغل الآلة قبل فوات الأوان فانطلقت بهم في الزمان بعيدا عن مرمى الرماح والسِّنانْ...
أخذ الأطفال الراشدون المضربون عن لعب الضحى والزوال وما بعد الزوال يتلاومون فيما بينهم:
- ناري ما عندنا زهر لا فْ الماضي ولا فْ المستقبل...
- ناري قفرناها الدراري... تهنا في الزمن إلى غير رجعة...
- تبا لهربرت ويلز صاحب الرواية ولمن أفتى علينا فكرة آلة الزمن...
- وما بغينا لا سي-بلاج ولا سي-بلاش... وانا كو هوم (4)...والله يرزق غير الصحة والسلامة...
بعضهم أخذته نوبة هستيرية فصار يصرخ ويصرخ :
- واااا آلة الزمن وَا طْلـْقِي مني...وخليني نمشي فحالي...
وآخر:
- وااا السي-بلاش والله ياخذ فيك الحق...
وآخر:
- وعلاش ما زال كاتقول ليه السِّي... وراه غِير بلاش هو بلا السِّي...
وآخر:
- وااااا بلاش... وا بلاش.... وعلاش؟ علاش؟ علاش أخويا علاش....
كان منهم من يبكي، ومنهم من ينتحب، ومنهم من يصطبر، ومنهم من يسخط ويمخط على الحظ التعس الذي ضل بهم طريق العودة إلى زمانهم...وكانوا يلومون ويوبخون الربان وهو يقول لهم:
- "وهل كرَهنا أن نصل في دَقَّةٍ واحدة..." على حد تعبير صاحبة الكاشَّة.
شغل الهومو-سابيينس الوحيد آلة الزمن من جديد. وفي هذه المرة كانت كأنها قد تفهمت حزنهم ورقت لحالهم، فتوقفت بهم أياما قلائل قبيل الإضراب عن لعب الضحى وما بعد الزوال.
حتى من لم يكن منهم يجديد أن يزغرد أخذ يزغرد كيفما اتفق فرحا بوصولهم بالسلامة إلى أرض الزمن المفقود. خرجوا من الآلة وسارعوا لأماكن لعبهم كي ينكبوا بجد واجتهاد على لعب الضحى وما بعد الزوال.
مرت الأيام دون إضراب. ومرت الشهور والأعوام ولم يحدث شيء. لم يظهر أثر لا للسِّي-بلاج الماكر ولا لِلسِّي-بلاش الأمكر. بقي الحال على ما هو عليه دون تغيير. الركود والدعة والسكون...والهدوء والراحة والكُمُون...
بدأ الجميع يتساءل ويتحسر. ألم نلغي الإضراب؟ ألم ننكب على لعب الضحى وما بعد الزوال بكل ما أوتينا من قوة؟ ألا نستحق شيئا بدون إضراب؟ ألا نستحق شيئا دون احتجاج؟ ألا نستحق شيئا دون شد وجذب؟ ألا نستحق شيئا دون شحناء وبغضاء؟ ألا نستحق شيئا لله في سبيل الله وليس كرد فعل أو نكاية في فريق دون فريق؟ ألا نستحق شيئا دون تمييز؟ لماذا يكرهوننا؟
لكن الذين تحسروا أشد ما يكون التحسر هم الأطفال الذين استفادوا أولا من كيس "السي-بلاج" لكن آلة الزمن أعادت العداد إلى الوراء فحرمتهم من المنح والعطايا والمكرمات والهبات بأثر رجعي...
قال لهم الهومو-سابيينس الوحيد :
ألا تعلمون أنه لولا الإضراب ما كانت لتكون هناك لا عطايا ولا منح ولا مكرمات ولا هبات ولم تكن لتفتح علبة "الوجود الجديد الصارخ من بعيد" أصلا، ولم تكن لتصنع آلة الزمن ولَمْ... ولَمْ... ولَمْ.....
فأجابه هومو-كريدانص(5):
هل تعلم قصة ابن رشد مع أبي العباس السبتي؟
أجابه هومو-سابيانس:
- احكي لي أرجوك....
فقال له هومو-كريدانص:
- لما طار صيت أبي العباس السبتي في الآفاق حتى بلغ الأندلس أرسل إليه أبو الوليد ابن رشد الفيلسوف أحد تلاميذه كي يسأله عن مذهبه ويتقصى عن طريقته. فلما عاد التلميذ إلى أستاذه ووصف له حال الرجل وأنه كان دائما يردد " ما ثمة إلا الإحسان... ما ثمة إلا الإحسان..." وكان يكتفي بقوت يومه ويدفع ما زاد عليه لمن هو أحوج منه ولا يستطيع كسبا، وكان يقول لأصحابه " إلا تكونوا جيادا فلا صحبة لكم عندي ...."
حينها قال ابن رشد لتلميذه " ذاك رجل أيقن أن الوجود ينفعل بالجود" ... فأينكم يا جياد الأرض يا ملح الوجود....
رضا
1 – Ciblage = ترقية انتقائية
2-Homo Sapiens = Homme qui pense.
3 – Gladiateur
4 – Wana go home !
5- Homo credans = homme qui croit.
12:44 Publié dans Caricature, رأيت فيما يرى النائم | Lien permanent | Commentaires (2) | Envoyer cette note
05.09.2011
على جبل

على جبل
على قرن من قرون الجبل وقفتُ السيارة وبرزتُ ألتقط صورا من عَلِ، كي تشهد لي أنني مررت هنا، أو تذكرني بذلك بعد سنين. يومها أعثر على الصور بعد طول نسيان في ملف من ملفات الحاسِب إن نجت من هجمات الفيروسات الرقمية.
قلت وأنا ألتقط الصورْ... ألا يكفي المرور من هنا وإطلاق البصرْ
ألا يكفي ما التقطت العين؟ ألا يكفي فقط أن تتذكرْ ؟
أليست الصور من قبيل الرياء الذي إن لم يفسد السياحة شابَ نيتها، إن كان فيها أصلا نية تَفَكّرْ
اقتربت من حرف المنحدرْ. حرف واحد كبداية إحدى السورْ... اقتربت لعلي أفهم عن الجبل ما يقول. إنه غير صامت رغم الصمم والخرس الظاهرَِين على الحجرْ... حجر تسربل به سفحُه يدفع به رياح الأعالي العاتية التي تعتنقه وتضمه في غير حب من كل مكان في هذا الفصل من السنة وكانت لتسفعه من الناصية لو أمكنها أيامَ القرْ
هناك على القمة... هل من مُدَّكِرْ ؟
والجبالَ أرساها... فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا فخر موسى صعقا... لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ... إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا
ذلك الخلق العظيم الواقف أسفلي الآن في مضارع السرد الذي يمر مر السحاب، وأنا واقف أعلاه، أو من أعلاه... لأن قدماي لا تشغلان منه إلا كما يشغل عصفور صغير دوحة عظيمة عالية...
من يقف فوق الجبل يذهل عن مركزيته في الوجود كما يخيل له في السهل وفي دروب المدينة. ومع ذلك ترى سائقا هَمُّه الوصول إلى الخلق، مارا في سيارة فخمة مكيفة سريعة ما يزال يستبطن مركزيته، إنه هناك في الفندق أو الملهى أو الاجتماع المهم منتظَرْ...
دعك منه يكفيه أنه على كم من آية مُعرضًا قد مرْ
الوقوف على قمة الجبل كأولى مشاعر الحب. عيناك تتراميان إلى أعلى، تعانقان السماء، تلامسان القرب، تقدمان القربان من هيبة المحبوب الأعظم الذي لا يؤمَنُ منه المكر، لكنه لم يزل يعاملنا بأخلاقه الإلهية العالية الراقية الحسنى لعلنا إليه نفِرْ
نعم كأولى مشاعر الحب قبل أن تجذبك السفوح المتعرجة إلى حيث حدود البصرْ، وأمانٌ لا يزيد في العمرْ
حين الصبا كانت تجوب حَيَّنا أيامَ المولد النبوي كوكبة من الطرقيين يحملون أعلاما مزركشة وبيارق؛ عمائمهم خضراء، ثيابهم خضراء، تتوسطهم ناقة ملفعة بثوب أخضر كذلك، كان يحلو لي أن أقرأ عليه مكتوبا كل مرة "موسم مولاي ابراهيم الطاير الجبال"
ترى من أين يقبلون؟ وهل يأتون طيرانا؟ وكيف يتركون الجبل ويدخلون دروب الزحام والاكتظاظ وتدافع المصالح العمياء الضنكة الضحلة المتضاربة؟ ولكن لا شيء كان يستهوي خيالي الصغير كما تستهويه تلك العبارة المكتوبة بخط غير متقن. ليس صغير ولا كبير إلا وراودته الرغبةٌ أن يكون ذا جناحين، وأن يطير في السماء كما يشاء وبين الجبال كمثل مولاي ابراهيم ذلك الطائر البشري العجيب...كما يحكي دثار الناقة السائرة ببطء شديد كأنها مأمورة...
لا أحبذ تلك الطقوس الطرقية التي هي أقرب إلى التسول بذكرى ولي عارف منها إلى إحياء سيرته العطرة في النفوس لعلها تعتبر وتكسر الأصفاد والقيود والأغلال المحيطة بها من كل صوب... ولكنني أصدق أن يكون الرجل قد طار الجبال أو طويت له الأرض حتى يبيت في مكة ويصبح هنا. حين تشف روحانية ابن آدم الرفرافة بذكر الله حتى تغلب بشريتَه المتثاقلة إلى الأرض لا أستغرب أن يطير الجبال... عطاء من مُرسيها لمقرَّب محبوب... اللهم... اللهم... إنك تعلم ما أريد...
آه...الرجل طار الجبال، وما كان ليطير لولا أنه طار فوق أهوية نفسه ونزواتها ورغباتها الوبيلة الجامحة وطرحها أرضا وخلفها خلفه كشيء غير ذي بال. أهان الهوى حتى تجنبه الهوى... وأراد مولاه ولم يرد سواه وطار إليه في الحقيقة. نعم الرجل كان قد طار إلى مولاه، لكن الناسَ، أهلَ الحجاب منهم لم يروا إلا ظاهرا يقفز من جبل لجبل... كم أغبطه. أنا الآن العابرُ في جبل، الخائفُ أن تزل بي العجلات، من عبث الهوى وتشتت النياتْ...خلق في خلق بلا خالق... إلى متى وكل آت قريب، والبعيد ما ليس بآتْ
صحيح أنه يمكنني أن أوقف سيارتي حيث أتاحت الطريق متسعا كي ألتقط صورة هنا وهنا ولكن ليس التقاط صورة كالطيران في الجبال والرسو حيث تشاء والسياحة بين هاته المخلوقات العظيمة المنتصبة الجامدة السائرة إلى ما شاء الله
اللافت أنها تكون على شكل أسر. منها الكبير المتوحد الذي تبدو عليه سيما الشيخوخة، غالبا ما يكون ظهره تجاه الصحراء وقد لفحه ريحها من كل مكان وهو صابرْ
وقور على ظهر الفلاة كأنه *** طوال الليالي ناظر في العواقبِ
كما قال ابن خفاجة في وصف الجبل... ومنهم أطفال صغار في قدم جبل آخر عال شاهق كأخ أكبر يرعى إخوانه في غياب أبيه أو في حضوره العاجز بفعل السنين؛ ومنها من عليه خمار من تراب وشجر لم تكشف عورتَه الرياح، كأنه جبلة إن صح الاشتقاق، جَبَلة أنثى ما تزال ودودا ولودا يستحيى منها؛ ومنها من على شكل فرس كأنها مطية القوم؛ ومنها من على شكل خيمة كأنها خباء آل سعاد...التي بانت وهيهات اللقاء بعد البـِعَادْ...
فوق الجبل يصغر كل شيء. الملوك والرؤساء والثورات على الظالمين منهم خاصة. لولا المدن وأهل المدن ما قامت الثورات. الثورة في النهاية وبغض النظر عن كل باعث هي نتاج زحام وازدحام وتضام والتحام أجساد في غير حب ولا شوق حتى يتفجر السخط خروجا إلى الأزقة وصراخا والتحاما مع رجال آخرين يحملون عصيا كأذناب البقر يضربون الناس...لو صعدوا الجبل ورأى المالك والمملوك نفسه على الحقيقة...
كم يبدو المالك والمملوك صغارا على جبل؛ وهل لمثل هاته الجبال من مالك سوى الله رغم دعوى ملوك الأرض...
من ينصبها؟ من يمسكها؟ من يسيرها سيرا؟ من يصيرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا؟ من يبيت يحرسها حين ينام الملوك الكبار ويشخرون... هم كبار فقط بتشييد الأسوار العالية والنفخ في الأبواق والتلفزات وإلا فمن بعيد في قدم الجبل الذي كنت أهبطه لم أعرف أن الشيء المتحرك الصاعد نحونا شاحنة ذات صهريج ضخم حتى صارت موازية لنا؛ وقس على ذلك من هو اقل بأسا. كانت الشاحنة الضخمة تبدو كهامَّة صغيرة تتسلق سفوح مَلِك الفلاة الذي طال تأمل ابن خفاجة لصمته حتى قال فيه:
فلم أدر مِنْ صمت لهُ وسكينة *** أكَبْرةَ سِنٍّ وقرَتْ منه أم كِبْرُ
21:40 Publié dans Voyage | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note
