« 2007-12 | Page d'accueil
| 2008-02 »
18.01.2008
معايير
معايير
دوى الرنين بعيدا بداخل الشقة، انفصلت أصابع الدكتور عن الزر، استرسل تائها، تتقاذف صداه الجدران، يطلب أذنا تلتقطه؛ ترى هل الشقة مقفرة؟ توجس سهيل؛ كان واقفا خلف أستاذه يتأمل ظهره الذي خالسه الانحناء. لم يستر أي ظل، بعدُ، النهارَ المتسلل تحت الباب الذي كان لافتا عليه لصيقة كتب عليها بحروف كبيرة: "تطبيق المعايير الدولية لحقوق الإنسان" وجمل أخرى تتخللها كلمة "الدولية"، تَئِطُّ بحروفها مخارجها الصوتية رغم الهمس بها. كان الوقت عشية، والطابق بعتمته يوحي لمن لم ير الشارع بعدُ كأن الجو غائم مطير، أما من دخل لِتَوِّه فيمكث في ظلام مباغت، ينتظر أن يتسع بؤبؤاه كي يتعرف أين تحمله رجلاه الواثقتان أن ثمة متسعا للخُطا. التفت الدكتور قائلا بفرنسية أنيقة ذكرت سهيل بمحاضرات يتحدث فيها عن كل شيء إلا عن موضوعها:
- صبرا، الكاتبة ستفتح عما قليل، لا بد أن السيد ب. في انتظارنا!
أحس سهيل بحرج شديد، لم يدر بما يجيب تلك الطمأنة المترفة التي أتاحها له ذوق الأستاذ المشحوذ بلقاء علية القوم الذين لا ينتظرون، وإن انتظروا، يُعتذر لهم؛ أما من بِحاله فمستعد أن يقضي نصف يوم أو يوما بأكمله أو ما شاء من يريد أن يشغله أو حتى من يعطيه ولو وعدا سابحا في بحار الوعود المُخلفة.
في انتظار الظل، جمحت بسهيل ذاكرته. سنتان تفصلانه الآن عن فرحة نيله شهادته العليا، لكنها لم تخوله حتى تدريبا في شركة. حتى فرحته وقتئذ كان قد كدرها شيء غريب على تفاهته. ذهب عصر يوم من أواخر يوليو ليستلم شهادته من إدارة الجامعة، الجو قائظ، لكن القيظ لا يؤذيه، فجسمه نحيف حساس لأدنى نسيم بارد، يستعجل الصيف ليستمتع به منشرحا. الكلية خرساء! انمحت ثرثرة الطلبة من أرجائها طيلة العام جماعات، أو همس بعضهم لبعض في زواياها أزواجا، أزواجا، وأفسحت لتناجي أوراق الشجر مع كل هبة ريح لطيفة عالية. وقف ينتظر أن يرى شباكا من شبابيك مكاتبها مفتوحا كي يعرف أين يستلم شهادته السعيدة.
- عند زبيدة!
أجابه أحد الأعوان. كان جالسا في زاوية حيث يدور تيار هواء، يشرب دخانا وثمالة شاي لم تنضب رغم الحُسوات المتوالية. ومن زبيدة هذه؟ ألم يكن حريا أن يُدل على اسم قسم أو مصلحة؟ شعر بذلك الاسم الحافي صفعة لشهادة عالية صكت على سنين من دراسته للمؤسسات التي تدوم بينما يمضي أشخاصها مرتحلين مهما طالت خدمتهم؛ لولا تسلمه المؤسسة بنفسها شهادته وليس زبيدة هاته التي يجهلها أصلا كما يجهل ما بين المدرج والخزانة.
كان شباك مكتبها مغلقا يوحي بالرغبة في الانصراف، لولا أن أشار له نفس العون من بعيد، أن يدخل المبنى. بابه من الخلف، محجوب من الأعلى بأوراق الصفصاف المتدلية من رؤوسها كأشعار مهملة، ومن الأسفل باللبلاب المتسلق لجدران البناية، كأذرع حية متعرجة تريد أن تجتذبها بمن فيها تحت الأرض. أسلمت أشعة الشمس جسم سهيل لظل البناية البارد، ماجت في جسمه قشعريرة خفيفة، هل هي برودة المؤسسة؟ أم دهشة تسلم شهادته؟ أم هو المجهول الذي ستشرع بابه الشهادة، كمن يتسلق سفحا، فرحا حمِسا لبلوغ قمته فإذا به فوقها يخشى السقوط والتردي؟
طق، طق.
- ادخل.
- جئت لأتسلم...فقد قيل لي... هل هنا؟... السيدة زبيدة؟
- أجل!
-عفوا... فقد جئت لأتسلم شهادتي.
- نعم ادخل،
حجرة مضاءة بمصابيح بيضاء طويلة تملأ محولاتها الكهربائية الفضاء أزيزا لا تميز مصدره حتى يتفق أن يضغط أحدهم، منصرفا، على زرها فيذهب النور بالأزيز جملة. الشباك مغلق لأن أصيل الصيف الطويل تقصف أشعته من يجلس في مكان السيدة زبيدة وهي لا تملك أن تغيره فتفتح النافذة، لن يبقى متسع لفتح الباب.
- بطاقة التعريف، بطاقة الطالب، اجلس!
ناولها البطاقتين بين الواقف والجالس، مفكرا في واوات العطف المحذوفة أو المضمرة. بسرعة تفحصتهما، ثم ناولته ورقتين ليوقع على أولاهما أنه تسلم الأخرى. كانت الأخرى بغيته. كانت موشاة بتوشية خضراء تؤطر نص الشهادة الذي سرد القوانين والمراسيم وتعديلاتها المتعاقبة قبل أن يصل اسمه المكتوب بقلم حبر جاف أزرق. وكانت مفاجأته أن وجد فراغات لم تملأ بعد فالتفت للسيدة زبيدة قائلا و عيناه مهدمتان، كما تصفه أمه في دعابة مشفقة منبهة:
-أليس من المفروض أن تملأ هذه الفراغات؟
- لا ضير أن تملأها، رقم بطاقة تعريفك، ورقم تسجيلك و...
- نعم لا ضير...
لم يجد بدا أن يوقع الورقة الأولى وأخذ الأخرى، وأطبق الباب خلفه يتفحص الوثيقة التي سيتم بياناتها بنفسه.
في مثل ذلك اليوم الحار بعد سنتين تصرمتا، طويلتين عريضتين لمن يستقبلهما وكطرفة عين لمن يستدبرهما، لقي أستاذه في الكلية، وحدثه فيما حدثه عن انتظاره الطويل، وعن محاولاته، وعن الطلبات التي أرفقها بنسخ شهادته و بذرها هنا وهناك، حيثما بدت له إدارة عمومية أو شركة. وحكى لأستاذه عن زبيدة التي اخْتُزِلَتْ فيها المؤسسة، وأشار لشباك مكتبها المغلق، إنها لا محالة ما زالت لابثة هناك، لن تتعرف وجهه إن جاءها اليوم وسألها هل ما زالت تذكره... ثم حدث أستاذه عن شركة دق بابها يوما، فشخص إليه رجل أنيق جدا، ادعى أنه مديرها؛ كانت عيناه قانيتين ولسانه مثقلا، كحجر قد ناء به فمه، ثم قبله كمن يعرفه منذ زمن بعيد؛ أصيب سهيل بدهشة ثم بالغثيان من أنفاس الرجل وملابسه التي تفوح خمرا. لم يجد سهيل بدا من أن يعطيه الملف ويحدثه عن غرض مجيئه، أجابه المدير، بحنان السكارى وحبهم المتدفق:
- والله ستجد وظيفة، مثلك نادر في زمن الإحباط هذا، لولا أن شركتي لا تحتاج لمثل مؤهلاتك لوظفتك، ولكن ثق بي، والله ستجد وظيفة، والله ستجد وظيفة، والله ستجد وظيفة....
مكث يرددها ويلوح بيده إلى السماء، ويعيد، حتى بعدما غادر سهيل نازلا سلم العمارة، مكث يرددها، ويقول خلالها
- هيه، تذَكَّر ما أقول لك يا شاب!
أوصد الباب بعنف شديد ارتجت له الحيطان، فانقطع صوت المدير؛ لا بد أن تيار الهواء اختطف الباب من يده المرتعشتين.
استجمع سهيل مع أستاذه ضاحكين حتى بدت لَهَوَاتُهُمَا، ومن يدري ربما تلك المتعة التي أتاحها للدكتور في تلك الساعة هي التي طيبت مزاجه، فضرب له موعدا عند باب العمارة حيث مؤسسة غير حكومية تعنى بحقوق الإنسان قد تشغله. أخيرا موعدا غير مخلف.
انفتح الباب في غير الوقت الذي يترقب سهيل، هل هي عادة الانتظار؟ أم القدر يتنزل كذلك لئلا تدعي العين تصرفا في الأشياء؟
بدل الكاتبة أطل شخص مجهول، تلك عرفها على الأقل بتمهيد أستاذه، أما هذا فنكرة وغير منتظر. كان رجلا طويلا، ذا بياض أمهق، وذا جَلحَة أقطعت وجهه مزيد طول وتبدو كثعبان منتصب مكفهر فوق جبهته، وعلى عينيه وأنفه نظارات مستديرة، مثقف عضوي يريد أن ترى خصوصيته!

صافح الخارج لتوه الأستاذ بحرارة ولم يلتفت لسهيل حتى قدمه أستاذه:
- مساء الخير، (ملتفتا لسهيل) سيد كواش المدير التنفيذي للمؤسسة... سهيل، كان طالبا عندي.
- مساء الخير دكتور! ثم مد لسهيل يدا كانت كيد نائم في ثقلها وسرعة انجذابها وسقوطها أسفل السرير. صافح سهيل يدا ناعمة لم تعد تستعمل حتى القلم، بل تنقر ما تريد على أزرار الحاسب، أو ربما لا تتحمل ذلك العناء بل تكتب إملاء على الكاتبة.
- السيد ب. موجود؟
- نعم تفضل، إنه في انتظارك.
استغرب سهيل صيغة المفرد التي محته وشعر أنه لا يسمح له بالدخول إلا كما يسمح لظل شخص أن يدخل معه. ألم يخبروا أن شخصا جديدا سيشتغل معهم؟ أنه غدا جزءا منهم لا ينقصه إلا أن يحضر بجسمه بينهم؟ توالت الأسئلة في ذهنه، يظن حدوسه وبادي رأيه خبرة كافية بقواعد الأزمنة والأمكنة، أيا كانت. تصور وهو آت برفقة الأستاذ، نفسه قد جالسهم على مائدة إفطار عليها فناجين قهوة وفطائر أو هلاليات وهو في غمرة الحديث معهم عن كتاب حول حقوق الإنسان عكف عليه حين حدثه أستاذه عن المؤسسة الانسانية. تارة عن الحقوق السياسية والمدنية، وأخرى عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وأخرى عن الحق في التنمية...كل ذلك في ذهن ينتشي بأحلام يقظة يطويها الواقع بسرعة فائقة تخلف في نفسه استحياء من نفسه، وما أثقله عليه، من بساطته التي كان يتخيلها منذ قليل نباهة وحدقا. مكث يحدث نفسه متندرا ساخرا منها كأنها شخص آخر يماشيه، يا ليته يستطيع أن يقول لها تلك اللحظة:" دعيني وحيدا أرجوك، عودي بعد قليل"
جدران الشقة لا يبدو منها إلا فضل مساحات صغيرة بين صور معلقة. هذا المحفل الدولي يشرف رئيسا من رؤسائها السابقين، تلك المؤسسة تسلم أحد أعضائها المبرزين تمثالا تذكاريا، صور لوفود زارت نفس المقر، و لوحات كتبت ونمقت في كل منها فصول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فصلا، فصلا، وإعلانات أخرى تهم الطفل والمرأة واللاجئين والمحرومين والمعذبين وكل المكابدين على وجه الأرض. اطمأن سهيل للمكان، القوم هنا لا شك تملأ قلوبهم الرحمة بالخلق، ولو بمعايير دولية كما كتب على الباب. أخذ يبحث عن آية كريمة أو حديث نبوي في خضم تلك اللوحات فلم يفتأ أن حال الأجلح بينه وبين الجدار، عائدا أدراجه، تاركا الأستاذ يصافح شخصا سمع سهيل صوته المرتعش دون أن يراه، حتى إذا انتحى الأستاذ جانبا، بدت لبدة بيضاء فوق رأس شيخ قصير تبسم له، كرجل ثلج يبنى وسرعان ما يهدم.
الرئيس.
جلس في مكتبه وأجلس الأستاذ عن يمينه وسهيل عن يساره وأخذ يكلم الأستاذ عن أشياء تتبعها سهيل في البدء ثم شرد عنها شيئا فشيئا كعادته مع الأحاديث التي لا تعنيه. أجال بصره في المكتب، رأى رفوفا حديدية تقعرت بملفات مكدسة. رأى امتداد الصور التي في الخارج ترصع جدار المكتب، كانت صور شخصيات معروفة دوليا، يجالسها الرئيس تارة، وتارة يصافحها، وتارة يتسلم منها جائزة أو تذكارا. رأى تمثالا كأنما سبق أن رآه، فتذكر أنه ذاك الذي رآه عند تنقل بصره فوق الصور الخارجية وقد أنسته إياه دهشة الدخول. أستاذه ما زال مستغرقا في حديث مع الرئيس عن خلاف وقع وما كان ينبغي، في مؤتمر صحفي عقدته المؤسسة لتقديم تقريرها السنوي:
- ما لم يرقني أنه عقب على كلامي أمام الصحافة...
- كيف؟ أردف الأستاذ.
- كنت أشرح وجهة نظرنا في إحدى القضايا وقلت أن مؤسستنا بصفتها مؤسسة حقوقية تعنى بالشأن السياسي إلى آخره، فلما أخذ الكلمة عقب قائلا: "أريد أن أصوب شيئا قاله الرئيس وهو أن مؤسستنا مؤسسة سياسية بالأولى تعنى بالشأن الحقوقي..." ولم أدر ما جدوى هذا التصويب وما مناسبته... مما اضطرني بعد انفضاض اللقاء، أن أبحث بنفسي، لأن الكاتبة غير حاضرة، عن قانون المؤسسة التأسيسي وأمضي ردحا غير يسير من الليل في نقاش معه وهو متشنج لدرجة لم أفهمها فاقتضبت النقاش وانصرفت فقد كان علي أن أسافر إلى الدار البيضاء تلك الليلة.
لم يذكر من صدر منه ذلك ولكن سهيل قال في نفسه: لا بد أنه صاحب الثعبان المشرئب فوق جبهته.
كانت قسمات الأستاذ توحي أنه لا داعي لمثل هذا الحديث أمام طالب وظيفة كسهيل، فسعى أن يجد مسربا لموضوعها، ولكن الرئيس مضى في حديثه منتفخة أوداجه، فشيخوخته لم تعد ترى جدوى للكظم والتكتم على الأشياء المغضبة. عاود الأستاذ كرة خرقت بخار غضبته ونبهته أن شخصا غريبا هناك لا داعي لكي يعلم بتشنجات المؤسسة المكرمة دوليا. صب كوب ماء من قنينة إزاءه، شرب منه ثم استأذن لحظة بحركات رشيقة كأن أطراف شاب ركبت في جسده المسن. غاب قدر ذهاب إلى مكان ما وإياب.
- هذا هو الشاب الذي كلمتك عنه! عاجل الأستاذ الرئيس فور جلوسه، فأردف هذا ملتفتا إلى سهيل:
- مرحبا، لقد حدثني عنك الدكتور وقال أنك إنسان جدي، وقال أنك حاصل على شهادة في القانون، وأنك إنسان اعتقادي ومثقف ومنفتح ...
لم يخطر ببال سهيل أن يوصف يوما أنه اعتقادي، دارت دواليب فكره، انقشعت في تلك اللحظة حاجته، انمحى من نفسه انكسار الباحث عن عمل أمام ما قال الرئيس: لا بد أن اعتقادي هذه طرف في ثنائية جاهزة من التي يحلو للعقل أن يصوغها شاطبا ما سواها حتى يتبسط ويختزل له كل ما يفوق طوره، أنا مؤمن بالله العظيم، كيف أوصف بهذا الوصف العقيم؟ لماذا لم يقل أنني متدين أو مؤمن؟ هل فكر بلغة أخرى روحها زاهقة فهي كلام أبتر ثم ترجم؟ الله أيها الرئيس؟ الله عز وجل، لم لا تنسبني إليه يا سيدي؟ تذكر صدعه بفطرته في كل مجالسه. ولقد كان ذلك سبب صلته بأستاذه، حيث لم يكن يتحرج من نقده ومناقشة آرائه الشاكة بجرأة بهتته غير ما مرة...حتى حدثت بينهما مودة كان أستاذه لا يفتأ يذكرها في كل محاضراته، أنه صديق لشخص يختلف معه جذريا، مثالا لإيمانه بالتعدد.
زاد الأستاذ مادحا سهيل بأحسن مزية يمكن أن تنسب لإنسان في نظره:
- تصور أنه يهضم تاريخ الثورة الفرنسية، وإعلان حقوق الانسان والمواطن، وإعلان فيلاديلفيا...
زاد عجبه، تصور نفسه في أحد كتب التراجم مكتوبا عنه: "سهيل بن أبي سهيل، من مناقبه أنه كان ملما بالثورة الفرنسية"، ضحك في خويصة نفسه رغم استقرار قسمات وجهه، كضحك الصبا الذي تسري عدواه بين تلاميذ مقعد خلفي لدى وقوف معلم صارم قربهم، ضحكا حلوا لذيذا لأنه مضغوط. هي منقبة عظمى إذن تشفع له لينال وظيفة؛ أراد أن يصرخ: لبيك يا روبيس بيير! ويقهقه...ثم راودته رغبة في أن يحيل هذا اللقاء إلى نقاش حام من قبيل ما كان يدور بينه وبين أستاذه. طفا وضعه على سطح فكره المنزعج، فتمادى في صمته يستمع لهما. ربما إذا أحرز وظيفة تكون له جولات نقاش معهم أما الآن فلا داعي. أتم الرئيس متوجها إلى الأستاذ بنظرات كابد كي يبقيها مثبتة على الأستاذ، لأن الكلام إنما يعني سهيل:
- كما تعلم دكتور، نحن نشتغل هنا في فضاء تعددي منفتح، مما يقتضي أن يقبل بعضنا بعضا كما هو وكما اختار أن يكون. أذكر يوما أننا كنا نعد لمؤتمر سيحضره ممثلون من هيئات أجنبية، وصادفت تلك الأيام بداية "الكاريم" (رمضان!) فبينما كنا نعمل يوما أشعلت إحدى المناضلات سيجارة وأخذت تدخن نهارا، كانت في حالة متوترة جدا، ولكن أحد المناضلين الذين نحترمهم جدا ونثمن جهدهم انفعل وأبدى انفعاله وانتقدها بشكل لاذع، مما كهرب الجو وطفت الحساسيات، وانفجر نقاش إيديولوجي كاد يعصف بجهودنا كلها ونحن كنا مقبلين على ما هو أهم من ذلك... فكان ذلك سببا في انسحابه من المؤسسة إلى يومنا هذا.
- كان من المحافظين؟
- نعم ولا ننكر أنه كان من المؤسسين، للأسف التعددية لها ثمن يجب أن يدفع. على أية حال، نحن فعلا في حاجة لخدمة السيد سهيل، كما ترى نحن هنا عادة أربعة أشخاص عدا من يتطوع من حين لآخر، ولكن المهمات جسيمة وكثيرة والسيد كواش ناء بالحمل فنحن نريدك أن تحمل معنا ولا أخفيك، (ملتفتا إلى سهيل) الأجر الذي كلمت الأستاذ عنه هو فعلا زهيد جدا، ولكن، كما شرحت وكما يعلم الأستاذ مواردنا محدودة، وأعدك أنه بمجرد ما ستُمْنَحُ منظمتنا صبغةَ المنفعةِ العمومية... سيكون خير... سيكون خير...
مكث سهيل صامتا كبكر في يوم خطبتها؛ نظر لأستاذه كولي يستغيثه أن يقرر مكانه، وأستاذه منهمك عنه في تصفح مطبوع تناوله من رف هناك. " قرر بنفسك، جاذب التردد تلابيبك، أنت بالغ عاقل راشد فيما يبدو، لم لا تفاوض عن نفسك؟ لو ثار نقاش فكري عائم لأرسلت لسان ثقافتك؟ ماذا تريد؟ ماذا تنتظر؟" حدق سهيل في أستاذه حتى التقت عيناهما، كأنما اقتلعه من غفلته... فقال له أستاذه مستشعرا مأزقه:
- لقد سمعت شروط السيد ب. اقبلها، على الأقل ليس لك الآن شيء تخسره، وأنا واثق أنك ستستفيد وتفيد. جو المنظمة هنا مريح جدا، السيد كواش الذي ستشتغل تحت إشرافه، إنسان ديمقراطي تقدمي منفتح جدا...
أشار سهيل برأسه، هامسا قبوله، مستعجلا أن يستأنف جليساه حديثهما عن شيء آخر؛ ود لو دخل صاحب الثعبان المكفهر، فيتذكر الرئيس خلافهما حول الحقوق السياسية أو السياسة الحقوقية، وينسى سريعا حديث التوظيف نسيان شيء مكتسب له طبعا، ثم يمكث هو يحدث خويصة نفسه، فرحا، عن أول عمل سيزاوله؛ ود لو خُتِمَ اللقاء مباشرة كي يمضي إلى حال سبيله مشيا إلى الدار، مطيلا طريقه إليها ما أمكن، كمسافر لا يخشى الفيافي لأن في جرابه من الأزواد ما يمنحه ترف ضلال الطريق ثم وِجدانها بعد طول مسير، كذلك كان في جرابه هو أول اعتراف بحقه، بل به هو، ناله من هيئة لها مقر ورئيس ومدير وأجر آخر الشهر؛ كان مستعجلا قبل أن يغيروا رأيهم، كأن غيابه بعد أن اقتنص الوظيفة ونال الوعد سيختم على منشورها بمداد لا ينمحي، فوعد قُطِعَ لحاضر غاب آكد من وعد بين حاضرين ما زالوا بالخيار... استوقفه زجاج مكتبة، نظر هل من إصدار جديد، ثم مضى، يعيد شريط اللقاء يتخيل الاثنين المقبل كيف سيكون، يوم سيجود به الزمان عليه من عيون أيامه. سيجلس خلف مكتب صار مكتبه، ستكون له مهمة، سينجز شيئا، ستنضاف مفاتيح جديدة إلى مفتاح باب دارهم ومفتاح علبة البريد التي يفتحها ضحى كل يوم عسى قد نبت فيها ما بذر هنا وهناك من طلبات، بعد ما يكون قد أطل من فتحتها الأفقية وأرى عينه ما لم تر. أشفق من حال مستعط هناك، أعطاه ثمن تذكرة الحافلة، سيعود على قدميه...
دق الباب في الطابق المظلم. لم يضغط على الزر، لم يقو، الرنين للمعتادين من موظفين أو متظلمين يشفع لهم تظلمهم باستعمال الزر، أما هو فليس بعد إلى هؤلاء ولا إلى أولئك. كل الثقة التي ملكها حين غادر المكان عشية الجمعة تناثرت حبات تلك الصبيحة الأولى من الأسبوع. كلما تقاربت المسافة بينه وبين المؤسسة كبر الشك، اليوم سيكون وجها لوجه مع صاحب الجلحة. انفتح الباب، أطلت امرأة. الكاتبة لا ريب.
- السلام عليكم
- صباح الخير، نعم سيدي؟
- أنا سهيل!
- معذرة، سهيل من؟
صفعه السؤال، هل يقول لها: "اعرفيني!"؟ أليست الكاتبات أول من يعلم عادة؟ هل أفاق لتوه؟ هل كل ما حدث لم يكن سوى غفوة منه في انتظار أن يظهر ظلها تحت الباب عشية الجمعة؟ هل تأخرت الكاتبة حتى يئس الأستاذ وانصرف بعد ما تركه شاردا هناك؟ انمحى كل شيء، إن كانت إلا أضغاث أحلام من التي تؤول بنقيضها. لكن في قمة حيرته أطل وجه غير مرغوب فيه تماما ولكن كان كأي شيء يطفو على سطح الماء من شأنه أن ينقذ له ذاكرته من الغرق: السيد كواش...ألا يكون هذا من قبيل المشاهد المرئية في زمن ما في مكان ما؟
أذن له السيد كواش بدخول.
سيق إلى قاعة عريضة معدة لمن تستقبلهم المؤسسة من المتظلمين. جلس على إحدى الأرائك الجلدية السوداء. جالت عيناه في القاعة التي مر ببابها موصدا يوم الجمعة. جلس ينتظر كأحد المتظلمين الذين كان من المفروض أن يصير ممن يستقبلهم ويستمع إليهم ويدون شهاداتهم ويرشدهم إلى آخر ما تقوم به تلك المؤسسة، يلفه صمت بارد يخرقه من حين لآخر صوت محرك سيارة تمر من الدرب الخلفي لتخرج إلى الشارع الذي دخل منه العمارة. ناس ماضون الآن إلى أعمالهم، لو استوقف أحدا ليكلمه لاعتذر له بضيق الوقت، أو مضى دون أن يكلمه، أما هو فلم يزل بإمكانه أن يخرج الآن، دون أن يلومه أحد، فيجلس على مقهى يحتسي ما يتيحه له مصروف سمع رنينه حين وضعته أمه في جيبه، ولم يدر كم هو، لأنه أتى مشيا؛ كأنما مكث يمشي منذ عشية الجمعة.
جلس إليه الأجلح مبتسما. بعد صمت ثوان قال:

- سأكون صريحا معك، ربما أكثر صراحة من السيد الرئيس مع احترامي لمقامه، لا يخفى على مثلك أننا هنا في المنظمة نتخذ القرارات بالغالبية، خاصة تلك التي تكون لها تبعات مالية. وقرار تعيينك أخذ خارج هذا الإطار، وليس لاعتبارات معقلنة وإنما لأسباب أخلاقية لا تمت للعمل المُرَشَّد المنظم بصلة. السيد الرئيس لا يطلع على كثير من التفاصيل والتعقيدات المالية والإدارية التي تتعثر فيها المنظمة والتي لا تحتمل أن يثقل كاهلها بمزيد من المصاريف، وما دامت المنظمة لم تمنح المنفعة العمومية فلن يكون بإمكاننا توظيفك خاصة أنه قد....كذا وكذا...
كأنما انفجرت قرب أذني سهيل قنبلة صمتهما بل أسمعتهما الصمت كيف يدوي، لم يعد يرى سوى شفتين تتحركان أمام عينيه، تنمقان من هنا ومن هناك كلمة واحدة جامعة مانعة: "لا حاجة بنا إليك."
بدا له الرئيس شيخا مسنا محجورا عليه رغم صور المصافحات والتكريمات الدولية. المصافحات والتكريمات له في أخر المطاف وليست لشيء آخر.
لم يجب سهيل صاحب الجلحة، اختار أن لا يتعبه بعد الخطبة التي خطبها ونمقها لأنه ما تجشم ذلك العناء إلا وقد أخذ قراره النهائي.
لفظت الشقة سهيل. تلقفته السلالم، دحرجته إلى الباب، رأى الشارع يضج بالمستعجلين إلى مقارهم. دخل هاتفا عاما. هتف لأستاذه. أملى عليه هاتف الرئيس على عجل. هاتف الرئيس، أجابه صوت الشيخ المحجور:
- أنا الآن في فرنسا، سأعود بعد ثلاثة أسابيع، أودع رسالتك بعد الإشارة الصوتية.
هاتف أستاذه من جديد:
- أنا الآن منشغل، أودع رسالتك بعد الإشارة الصوتية.
رضا
09:10 Publié dans Nouvelles | Lien permanent | Commentaires (16) | Envoyer cette note
